فخر الدين الرازي
198
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فلم يقل الريح مع سليمان ، بل سليمان كان مع الريح وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أي النحاس وَمِنَ الْجِنِّ أي سخرنا له من الجن ، وهذا ينبئ عن أن جميعهم ما كانوا تحت أمره وهو الظاهر . واعلم أن اللّه تعالى ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان عليهما الصلاة والسلام فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان ، وذلك لأن الثقيل مع ما هو أخف منه إذا تحركا يسبق الخفيف الثقيل ويبقى الثقيل مكانه ، لكن الجبال كانت أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح فقدر اللّه أن سار الثقيل مع الخفيف أي الجبال مع داود على ما قلنا : أَوِّبِي أي سيري وسليمان وجنوده مع الريح الثقيل مع الخفيف أيضا ، والطير من جنس تسخير الجن لأنهما / لا يجتمعان مع الإنسان ، الطير لنفوره من الإنس والإنس لنفوره من الجن ، فإن الإنسان يتقي مواضع الجن ، والجن يطلب أبدا اصطياد الإنسان والإنسان يطلب اصطياد الطير فقدر اللّه أن صار الطير لا ينفر من داود بل يستأنس به ويطلبه ، وسليمان لا ينفر من الجن بل يسخره ويستخدمه وأما القطر والحديد فتجاذبهما غير خفي وهاهنا لطيفة : وهي أن الآدمي ينبغي أن يتقي الجن ويجتنبه والاجتماع به يفضي إلى المفسدة ولهذا قال تعالى : أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [ المؤمنون : 97 ، 98 ] فكيف طلب سليمان الاجتماع بهم فنقول قوله تعالى : مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ إشارة إلى أن ذلك الحضور لم يكن فيه مفسدة ولطيفة أخرى : وهي أن اللّه تعالى قال هاهنا : بِإِذْنِ رَبِّهِ بلفظ الرب وقال : وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا ولم يقل عن أمر ربه ، وذلك لأن الرب لفظ ينبئ عن الرحمة ، فعند ما كانت الإشارة إلى حفظ سليمان عليه السلام قال : رَبِّهِ وعندما كانت الإشارة إلى تعذيبهم قال : عَنْ أَمْرِنا بلفظ التعظيم الموجب لزيادة الخوف وقوله تعالى : نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ فيه وجهان أحدهما : أن الملائكة كانوا موكلين بهم وبأيديهم مقارع من نار فالإشارة إليه وثانيهما : أن السعير هو ما يكون في الآخرة فأوعدهم بما في الآخرة من العذاب . ثم قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 13 ] يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) المحاريب إشارة إلى الأبنية الرفيعة ولهذا قال تعالى : إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ ص : 21 ] والتماثيل ما يكون فيها من النقوش ، ثم لما ذكر البناء الذي هو المسكن بين ما يكون في المسكن من ماعون الأكل فقال : وَجِفانٍ كَالْجَوابِ جمع جابية وهي الحوض الكبير الذي يجبي الماء أي يجمعه وقيل كان يجتمع على جفنة واحدة ألف نفس وَقُدُورٍ راسِياتٍ ثابتات لا تنقل لكبرها ، وإنما يغرف منها في تلك الجفان ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قدم المحاريب على التماثيل لأن النقوش تكون في الأبنية وقدم الجفان في الذكر على القدور مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل ، فنقول : لما بين الأبنية الملكية أراد بيان عظمة السماط الذي يمد في تلك الدور ، وأشار إلى الجفان لأنها تكون فيه ، وأما القدور فلا تكون فيه ، ولا تحضر هناك ، ولهذا قال : راسِياتٍ أي غير منقولات ، ثم لما بين حال الجفان العظيمة ، كان يقع في النفس أن الطعام الذي يكون فيها في أي شيء يطبخ ، فأشار إلى القدور المناسبة للجفان . المسألة الثانية : ذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب ، وفي حق سليمان بحالة السلم وهي المساكن